أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
115
نثر الدر في المحاضرات
الآخر : ليس كما قال ، ولكني استسلفته مائة دينار ؛ فأبى أن يسلفنيها ، فلما خرج من البيت ، جئت برجلين ، فأشهدتهما أني آخذ من عيبته مائة دينار ، وأنها عليّ له ؛ فقال أبو سفيان : أول ما أقضي به أنك لئيم ، وأن هذا لا قطع عليه . قال : فأبى المدّعي حتى ارتفعوا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - فقال : قد قضيت بقضاء أبي سفيان . استعمل عبد الملك نافع بن علقمة بن صفوان على مكة ؛ فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان تحت المنبر ، فشتم طلحة والزّبير ؛ فلما نزل قال لأبان : أرضيتك في المدهنين في أمير المؤمنين ؟ قال : لا واللّه ، ولكن سؤتني ، حسبي أن يكونا شركاء في أمره . قال أبو عثمان الجاحظ : فما أدري أيّهما أحسن : كلام أبان بن عثمان هذا أم كلام إسحاق بن عيسى ، فإنه قال : أعيذ عليّا باللّه أن يكون قتل عثمان ، وأعيذ عثمان باللّه أن يقتله عليّ . قال : وذهب إلى معنى الحديث في قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أشدّ أهل النار عذابا من قتل نبيّا أو قتله نبيّ » . قالوا : لما استتبّ الأمر لمعاوية قدم عليه عبد اللّه بن عباس ، وهي أول قدمة قدمها عليه ، فدخل وكأنه قرحة يتبجّس ، فجعل عتبة بن أبي سفيان يطيل النظر إلى ابن عباس ، ويقلّ الكلام معه . فقال ابن عباس : يا عتبة ؛ إنك لتطيل النظر إليّ ، وتقلّ الكلام معي . ألموجدة فدامت ، أو لمعتبة فلا زالت ؟ قال له عتبة : ما ذا أبقيت لما لا رأيت ؟ أمّا طول نظري إليك فسرورا بك ، وأما قلة كلامي معك فقلّته مع غيرك ، ولو سلّطت الحقّ على نفسك لعلمت أنه لا ينظر إليك عين مبغض . فقال ابن عباس : أمهيت « 1 » يا أبا الوليد ، أمهيت ! لو تحقق عندنا أكثر ممّا ظننّاه لمحاه أقلّ مما قلت . فذهب بعض من حضر أن يتكلم ، فقال معاوية : اسكت . وجعل معاوية يصفق بيديه ويقول : [ الرجز ] جندلتان اصطكّتا اصطكاكا * دعوت عركا إذ دعوا عراكا
--> ( 1 ) أمهيت : أي بلغت ما تريد ، وأصله : بلغ في حفره الماء .